القاضي عبد الجبار الهمذاني
212
المغني في أبواب التوحيد والعدل
من حيث أطلقناها ، ولو عدلنا عنها لبطلت هذه الشبهة ؛ وكل شبهة تحل هذا المحل فهي ساقطة . وبعد فإنا قد بينا أن إطلاقنا هذه العبارة يفيد ضد ما زعموه ، ولأنا أردنا أنه تعالى يجب عليه إذا كلف فعل ما لا شيء أصلح في اختيار ما كلف منه « 1 » ، فلما كان ما هذا حاله يوصف بأنه الأصلح له في فعل ما كلف من حيث لا مزية لغيره عليه البتة ، ومن حيث له المزية على غيره ، فأطلقنا هذه اللفظة عليه كما يطلق المسلمون القول بأنه لا صدق أصدق من كلامه ولا خبر أصدق من أخباره لهذه الفائدة ، لا لأن التفاضل في الصدق يصح . وذلك أيضا مثل إطلاقهم في اللّه تعالى إنه الأعظم / والأكبر . فكذلك القول فيما قدمناه . وإذا كان المقصود بالكلمة التي يطلقها أرباب المذاهب معلوما ، فيلزم « 2 » فيه تبع « 3 » العبارة بل يجب إن وجد المخالف مساغا إلى الطعن من حيث المعنى أن يقوله ، وإلا فالكف أولى به . وبعد ، فقد بينا من قبل أن التفاضل قد يصح في هذا الباب ، لأنه لا يمتنع أن يقال إنه أصلح من غيره إذا كان المختار عند أحدهما أعظم درجة من المختار عند الآخر ، وذلك يسقط ما سأل عنه . وأما تعلقهم بأن كل مكلف واجب عليه أن يرغب إلى اللّه تعالى في اللطف والتوفيق ، وأن يسأله ذلك ، فلولا أن في مقدوره مثل ما سأل في كل أحد ، لما جاز أن يتعبد جميعهم بذلك . فيتعبدون بذلك لأن هذه الرغبة إنما تتناول المستقبل من الأوقات ، ويجوز في كل تكليف في المستقبل أن يلطف له تعالى بما يختار الطاعة
--> ( 1 ) يريد : إذا كلف فعل شيء لا يمكن أن يختار ما هو أصلح منه . ( 2 ) في الأصل : يلزم . ( 3 ) مصدر تبع كضرب : وهو التبع بمعنى الاتباع .